إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ
إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ
هذا شروع في تعريف المؤمن بربه على وجه يثبّته؛ والمعنى: إن أخذ ربك للظالمين بقوة وعنف لشديد لا يُطاق. و«البطش» في اللسان: الأخذ بقوة وشدة، والسطوة؛ ومنه {وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ}. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أن معناه: إن أخذ ربك يا محمد من أخذه من أهل معاصيه لشديد. وذكر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن هذا تهديد لمن كذّب رسله وخالف أمره، وأنه سبحانه ذو القوة الشديدة الذي لا يفوته شيء ولا يعجزه هارب. وقد ثبت في السنة ما يوافق هذا المعنى؛ فقد جاء في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ»، ثم قرأ: {وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ}.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية بعد بيان مصير الفريقين لتقرر مصدر القوة التي تنفذ بها الأحكام؛ فلا يكفي الوعد والوعيد حتى يُعلم أن الواعد قادر على الإنفاذ. ثم إن مجيء الخطاب للنبي ﷺ بصيغة {رَبِّكَ} فيه تسلية له خاصة؛ إذ كان يرى ما يُفعل بأصحابه ولا يملك دفعاً؛ فقيل له: إن الذي يتولى أمرك بطشه شديد. وهذه الآية تفتح مقطعاً جديداً في السورة قوامه ست جمل متتابعة في وصف الرب؛ تبدأ بالبطش وتنتهي بالفعل المطلق؛ وهو مقطع بُني كله على تثبيت القلب بالمعرفة لا بالوعد المجرد.