بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ
بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ
هذا إضراب ورجوع إلى حال المكذبين الحاضرين؛ والمعنى: بل هؤلاء الذين كفروا من قومك مستمرون في تكذيب مستقر لا ينفعهم معه ما سمعوا من أخبار الأولين. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أن معناه: بل الذين كفروا من قريش في تكذيب بما جئتهم به. وذكر السعدي في تيسير الكريم الرحمن عند تفسير هذه الآية أن الإضراب هنا يفيد أنهم لم ينتفعوا بما ذُكّروا به من أخبار الجنود، بل أقاموا على تكذيبهم؛ فليست العلة نقص البيان بل استحكام العناد. وقد تقدم نظير هذا المعنى في خاتمة سورة الانشقاق: {بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ}؛ فتلاقت السورتان في هذا التقرير.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء هذا الإضراب بعد سوق الشواهد التاريخية ليقرر أن الحجة قد بلغتهم ولم تنفع؛ فترتيب السورة: قصة قديمة، ثم حكم، ثم صفات، ثم شواهد، ثم بيان موقفهم منها. وفي هذا الترتيب إعلان بأن المشكلة ليست في المادة المعروضة بل في المتلقي. ثم إن استعمال الظرفية {فِي تَكْذِيبٍ} دون الفعل يقرر أن التكذيب صار محيطاً بهم كالوعاء الذي هم فيه؛ وهو تمهيد بديع للآية التالية {وَاللَّهُ مِن وَرَائِهِم مُّحِيطٌ}؛ فهم في وعاء التكذيب، والله محيط بذلك الوعاء.