وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ
وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ
هذا كشف لدافع الجريمة؛ والمعنى: وما عاب هؤلاء الجلادون على المؤمنين شيئاً، وما أنكروا منهم أمراً، إلا إيمانهم بالله العزيز الحميد. و«النقمة» و«النقم» في اللسان: إنكار الشيء وكراهته وعيبه؛ يقال: «نقم عليه الأمر» إذا عابه وأنكره. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أن المعنى: وما عابوا منهم إلا الإيمان بالله. وذكر السعدي في تيسير الكريم الرحمن عند تفسير هذه الآية أن هذا من أعجب ما يكون؛ إذ جُعل ما هو أعظم المحامد هو الذنب الذي عُوقبوا عليه؛ وفي ذلك بيان أن أهل الباطل لا يجدون على أهل الحق مأخذاً إلا نفس الحق الذي هم عليه. وقد جاء نظير هذا التركيب في القرآن: {وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا}.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية لتحسم القضية بعد عرض المشهد؛ فقد يتساءل السامع: ماذا فعل هؤلاء المؤمنون حتى استحقوا هذا؟ فجاء الجواب حاسماً: لم يفعلوا شيئاً إلا الإيمان. ثم إن اختيار وصفي {الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} في هذا المقام بالذات من أدق ما في النظم؛ فوصف العزة يقرر أن المؤمن بالله لا يُخذل وإن غُلب في الظاهر، وأن الجلادين إنما تعرضوا لمن له غالب لا يُغلب؛ ووصف الحمد يقرر أن المنقوم عليه محمود لا معيب، فينقلب الطعن مدحاً. فكان في الوصفين ردّ الشبهة وتثبيت المؤمن معاً.