إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ
إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ
هذا تصوير لحال الجلادين حين التعذيب؛ والمعنى: حين كانوا جالسين على حافة الأخدود يشرفون على النار وما يقع فيها. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أن المعنى: إذ هم على حافة الأخدود قعود يعرضون المؤمنين على النار. وذكر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن الملك ــ فيما جاء في الأخبار ــ جلس ومعه جنده على مقاعد ينظرون إلى الناس وهم يُلقون في النار. وهذا موافق لما في حديث صهيب رضي الله عنه عند مسلم في صحيحه في كتاب الزهد والرقائق من أن الملك أمر بالأخاديد فخُدّت وأُضرمت فيها النيران، وقال: «مَنْ لَمْ يَرْجِعْ عَنْ دِينِهِ فَأَقْحِمُوهُ فِيهَا».
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): انتقل السياق من وصف الأداة ــ وهي النار ــ إلى وصف الفاعلين؛ وهذا الترتيب يبني المشهد من الخارج إلى الداخل: حفرة، ثم نار، ثم قوم قعود عليها. ثم إن اختيار هيئة «القعود» بالذات مقصود؛ فإنها هيئة الطمأنينة والاستقرار والتفرغ للنظر؛ ولو قيل «قيام» لأفاد الحركة والانشغال؛ فبيّن أنهم لم يكونوا مشغولين بحرب ولا مدافعة، بل متفرغين متلذذين. وهذا يمهّد لما بعده من وصفهم بالشهود، وهو أشد ما في المشهد من الفظاعة.