قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ
قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ
هذا دعاء عليهم أو خبر عن لعنهم؛ والمعنى: لُعن أصحاب الأخدود وأُهلكوا. و«الأخدود» في اللسان: الشقّ العظيم المستطيل في الأرض؛ من «الخدّ» وهو الشقّ؛ ومنه سُمي خدّ الإنسان لأنه كالمجرى في وجهه. وقصة أصحاب الأخدود ثابتة في السنة الصحيحة؛ روى مسلم في صحيحه في كتاب الزهد والرقائق في باب قصة أصحاب الأخدود والساحر والراهب والغلام، من حديث صهيب رضي الله عنه، أن ملكاً كان له ساحر، فلما كبر الساحر طلب غلاماً يعلّمه، وأن الغلام مرّ براهب فأعجبه أمره فلزمه، وأنه صار يبرئ الأكمه والأبرص بدعائه، فلما ظهر أمره عذّبه الملك فلم يمت، حتى دلّه الغلام على أنه لا يقتله إلا أن يجمع الناس ويقول: «بِاسْمِ اللَّهِ رَبِّ الْغُلَامِ»، ففعل فمات الغلام وآمن الناس، فأمر الملك بأخاديد فخُدّت وأُضرمت فيها النيران، وقيل لمن لم يرجع عن دينه: اقتحم؛ حتى جاءت امرأة معها صبي فتقاعست، فقال لها الغلام الصبي: «يَا أُمَّهْ اصْبِرِي فَإِنَّكِ عَلَى الْحَقِّ». ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أقوال أهل التأويل في تعيين هؤلاء وزمانهم، وأن ذلك مما لا يُقطع فيه بشيء، وأن العبرة بالحادثة لا بتعيين أسمائها.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية بعد الأقسام الثلاثة لتقع موقع المشهد الذي أُريد إثبات الحكم فيه؛ فبعد أن تقرر أن ثمة تدبيراً محكماً وموعداً مضروباً وشهادةً قائمة، عُرضت الواقعة التي تُختبر بها هذه المقدمات. ووجه اختيار قصة الأخدود من بين قصص المكذبين: أنها أشد الصور في العدوان، وأن المؤمنين فيها لم يُنصروا في الدنيا بل قُتلوا وأُحرقوا؛ فهي الحالة القصوى التي إذا ثبت فيها معنى الفوز ثبت فيما دونها من باب أولى. وهذا هو ما يحتاجه المستضعف في مكة حين يرى أن الأذى مستمر والنصر متأخر.