هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ
هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ
هذا انتقال إلى الاستشهاد بوقائع التاريخ؛ والمعنى: هل بلغك يا محمد خبر الجموع المكذبة التي تجمعت على أنبيائها فأخذها الله؟ والاستفهام هنا تقريري يُراد به تشويق المخاطب وتنبيهه لا استعلام حاله. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أن معناه: هل جاءك يا محمد خبر الجنود الذين تجندوا على أنبياء الله وكذّبوهم. وذكر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن هذا تسلية للنبي ﷺ وتهديد لمن كذّبه من قومه؛ إذ يُعلمه أن من قبلهم كانوا أشد قوة وأكثر جمعاً فلم يمنعهم ذلك من أخذ الله. و«الجنود» جمع «جُند»، وهو الجمع المعدّ للقتال؛ وأصل المادة من الغِلَظ والتجمع؛ ومنه «الجَنَد» للأرض الغليظة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء هذا الاستفهام بعد تقرير الصفات الست ليضع لها شاهداً من الواقع؛ فقد قيل: إن بطشه شديد، وإنه فعّال لما يريد؛ ثم قيل: انظر ماذا فعل بمن قبلهم. وهذا مسلك قرآني مطرد: تقرير القاعدة ثم عرض الشاهد. ثم إن الانتقال من قصة الأخدود ــ وهي قصة مغمورة لا يعرف العرب تفاصيلها ــ إلى فرعون وثمود ــ وهما مما تتناقله العرب وتعرف أخباره ــ انتقال من المجهول إلى المعلوم، يُقصد به إلزام الخصم بما لا يستطيع إنكاره؛ فمن أقرّ بمصير فرعون وثمود لزمه الإقرار بأن سنة الله واحدة.