وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ
وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ
هذا وصف ثالث بعد البطش والإعادة؛ والمعنى: وهو الساتر لذنوب عباده المتجاوز عنها، المحبّ لأوليائه المحبوب لهم. و«الودود» فسّره أهل التأويل بوجهين نقلهما الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية: أنه فعول بمعنى فاعل، أي المحبّ لمن أطاعه؛ وأنه فعول بمعنى مفعول، أي المودود المحبوب في قلوب أوليائه. وكلا المعنيين صحيح؛ إذ هو يحبّهم ويحبونه: {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}. وذكر السعدي في تيسير الكريم الرحمن عند تفسير هذه الآية أن اقتران المغفرة بالمودة في هذا السياق من أعظم ما يفتح للعاصي باب الرجاء؛ فإنه لا يغفر فحسب بل يودّ من رجع إليه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذا الموضع من أعجب مواضع النظم في القرآن؛ إذ يأتي اسم «الودود» في سورة أحرقت فيها النار أولياء الله. وموقعه من السياق دقيق من وجهين: أنه يفتح باب الرجاء للجلادين بعد أن هُدّدوا بشدة البطش، فيتصل بقوله السابق {ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا}؛ وأنه يطمئن المؤمنين المعذَّبين بأن ما نالهم لم يكن انقطاعاً في المودة، بل امتحاناً في طريقها. ثم إن ترتيب الصفات في المقطع محكم: بطش يخيف، ثم إعادة تقرر الحساب، ثم مغفرة ومودة تفتحان الباب، ثم ملك وعرش يقرران السلطان، ثم فعل مطلق يقرر النفوذ؛ فتوسطت الرحمة بين مظاهر القوة توسطاً مقصوداً.