وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ
وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ
هذا ثالث المقسم به؛ والمعنى: وأقسم بكل شاهد يشهد وكل مشهود يُشهد عليه أو يُشهد فيه. وقد كثرت أقوال أهل التأويل في تعيينهما، ونقلها الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية على وجوه: فقيل الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة؛ وقيل الشاهد محمد ﷺ لقوله {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا} والمشهود يوم القيامة؛ وقيل الشاهد الملك الحافظ والمشهود ابن آدم؛ وقيل الشاهد الخلق كلهم والمشهود الله سبحانه. ورجّح جماعة من المحققين ــ وأشار إليه ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير هذه الآية ــ أن التنكير في اللفظين مقصود لإرادة العموم، فيدخل في ذلك كل ما صحّ أن يوصف بالشهادة أو بأن يُشهد؛ فلا حاجة إلى قصره على قول واحد.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تمّت بهذا القسم أركان الدعوى الثلاثة: مكان محكم يشهد بالتدبير، وموعد مضروب للفصل، وشهادة تُقام بها الحجة؛ فلا يستقيم قضاء إلا بهذه الثلاثة. ثم إن ذكر الشهادة هنا مقدمة لما سيأتي في السورة من وصف الجلادين بأنهم {عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ}، ومن وصف الله بأنه {عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}؛ فتكررت مادة الشهادة في السورة على ثلاثة وجوه: شهادة القسم، وشهادة المجرمين على جريمتهم، وشهادة الله على الكل. وهذا التلاحم في المادة اللغوية من أوثق ما يربط أجزاء السورة.