وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ
وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ
افتتح الله تعالى السورة بالقسم بالسماء موصوفة بأنها ذات بروج. و«البروج» عند أهل التأويل على أقوال متقاربة نقلها الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية: أشهرها أنها منازل الكواكب ومجاريها في السماء، وهي المنازل الاثنا عشر التي تنتقل فيها الشمس والقمر؛ وقيل: البروج هي النجوم العظام نفسها؛ وقيل: هي قصور في السماء. والقول الأول هو الذي عليه جمهور المفسرين، ويشهد له قوله تعالى: {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَائِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ}. وذكر ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير هذه الآية أن وصف السماء بذات البروج في مقام تثبيت المؤمنين مقصود؛ إذ البروج مظهر الإحكام والانتظام، فناسب أن يُستدل بها على أن تدبير الله لأوليائه محكم كإحكام بنائه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): اقتضت حكمة النظم أن تُفتتح سورة تثبيت المستضعفين بالقسم بأعظم مظاهر الإحكام في المرئيات؛ فالسماء بمنازلها المرتبة التي لا تختل ولا تضطرب دليل حاضر على أن وراء هذا الكون تدبيراً لا يقع فيه خلل. وهذا هو عين ما يحتاجه القلب المعذَّب في الأخدود أو في شعاب مكة: أن يوقن أن ما يراه من فوضى الظلم ليس خللاً في التدبير بل مرحلة فيه. ثم إن اختيار «البروج» دون «النجوم» أو «الكواكب» يقدّم معنى المنازل المحددة والحدود المرسومة؛ وهو معنى يتردد في السورة كلها: للظالم حدّ ينتهي إليه، وللمؤمن منزلة يصير إليها، وللقرآن لوح يُحفظ فيه.