وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ
وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ
افتتح الله سبحانه هذه السورة بالقسم بالليل حال غشيانه؛ والمعنى عند أئمة التفسير: والليل إذا غطى الأرض بظلمته فستر ما عليها من جبل وشجر وأثر. وذهب جمهور المفسرين إلى أن مفعول {يَغْشَىٰ} محذوف ليعم؛ أي يغشى الأرض وما فيها، ويغشى النهار بظلمته فيذهب ضياءه، ويغشى كل شيء بستره. وقيل: يغشى الشمس حين تغيب. والحذف أولى؛ لأن الإطلاق يشمل هذه الوجوه كلها. وقرر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن الله أقسم بالليل والنهار لما فيهما من التقابل والتعاقب المنتظم؛ ليستدل بذلك على تباين أعمال العباد. وقرر ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير هذه الآية أن تقديم الليل على النهار هنا مناسب لمقام الإنذار الذي سيقت له السورة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): افتتحت السورة بالقسم لا بالخبر؛ لأن المقام مقام تقرير قضية يخالف فيها كثير من الناس وهي تباين المساعي وافتراق المآل. والقسم في مثل هذا توطئة تشد انتباه السامع وترفع درجة تلقيه. ثم إن المقسَم به هنا ليس تعظيماً مجرداً، بل هو حجة على المقسَم عليه؛ فالليل والنهار مثالان مشهودان للتضاد التام في الكون؛ ومن جعل هذا التضاد في الزمان هو الذي جعل التضاد في العمل. وتقديم الليل على النهار مقصود؛ لأن السورة مسوقة للإنذار وبيان الفريق الخاسر قبل الفريق الرابح في التسمية الختامية؛ ولأن الظلمة أسبق في الوجود من الضياء.