إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ
إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ
انتقل السياق إلى تقرير أصلين تُبنى عليهما الحجة؛ وهذا أولهما. والمعنى عند جمهور المفسرين: إن علينا بيان طريق الهدى وتوضيح سبيل الرشد بإرسال الرسل وإنزال الكتب؛ فمن سلكه وصل إلينا. وقال بعض السلف: المعنى إن علينا أن نبيّن الحلال والحرام. وقيل: المعنى إن الطريق الموصل إلينا هو الهدى؛ من قولهم «فلان على الطريق»؛ ويشهد له قوله تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ}. والقول الأول هو الأظهر الموافق لسياق إقامة الحجة. وقرر السعدي في تيسير الكريم الرحمن عند تفسير هذه الآية أن هذا الوجوب وجوب تفضل من الله على نفسه، لا يوجبه عليه أحد من خلقه؛ إذ لا يجب على الله شيء بإيجاب غيره.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): موقع هذه الآية من النظم موقع دفع الاعتراض بعد تقرير الجزاء. فقد ذُكر أن الله ييسر للعسرى من بخل واستغنى وكذّب؛ فقد يخطر أن يقال: وكيف يؤاخذ من لم يعلم؟ فجاءت هذه الآية لتقطع هذا الاحتمال: إن البيان حق أوجبه الله على نفسه فلا عذر لمعتذر. ثم تليها الآية الأخرى لتقطع احتمالاً آخر وهو رجاء المهرب: {وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَىٰ}. فتمت الحجة بشقيها: انتفاء عذر الجهل، وانتفاء إمكان الفرار. ثم يأتي الإنذار بعدهما مباشرة؛ فترتب النظم ترتيباً قضائياً محكماً: بيان، فسلطان، فإنذار.