وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ
وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ
هذا تفصيل الفريق الثاني؛ والمعنى: وأما من بخل بما أمر الله ببذله فمنع حق الله في ماله، واستغنى عن ربه فلم ير نفسه مفتقرة إليه ولا محتاجة إلى ما عنده. وذهب المفسرون في {وَاسْتَغْنَىٰ} إلى وجوه: قيل استغنى بماله عن ثواب ربه؛ وقيل استغنى عن الله فلم يتضرع إليه؛ وقيل زهد فيما عند الله وظن أنه لا حاجة له إليه. وهذه المعاني متقاربة ترجع إلى انتفاء شعور الافتقار من قلبه. وقرر السعدي في تيسير الكريم الرحمن عند تفسير هذه الآية أن البخل والاستغناء متلازمان؛ فمن استغنى بما في يده منع ما في يده، ومن منع دلّ منعه على أنه مستغنٍ في نفسه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء هذا الشق مبنياً على وزان الشق الأول تماماً: {أَمَّا} ثم موصول ثم فعلان معطوفان ثم خصلة اعتقادية ثم الجزاء بالفاء. وهذا التماثل التام في القالب مقصود؛ لأن السورة قامت على المقابلة، والمقابلة إنما تظهر بوحدة البناء واختلاف المادة. ومن دقة النظم أن الخصلتين هنا ضدان لخصلتي الفريق الأول: البخل ضد الإعطاء، والاستغناء ضد التقوى؛ إذ التقوى تنشأ من شعور الافتقار والخوف، والاستغناء يقطع هذا الشعور. فتقابل الوصفان تقابلاً دقيقاً لا مجرد تضاد لفظي.