وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ
وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ
هذا كشف لبطلان ما استغنى به؛ والمعنى: وأي شيء يدفع عنه ماله ويكفيه إذا تردى؟ وفسر السلف {تَرَدَّىٰ} بوجوه: قيل مات وتردى في قبره؛ وقيل هلك؛ وقيل سقط في النار وتردى فيها. وأصل «التردي» في اللسان: السقوط من علو إلى أسفل؛ ومنه {وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ}، ومنه «المتردية» في المحرمات وهي التي تسقط من مكان مرتفع فتموت. والأقوال متقاربة؛ إذ الموت سقوط في القبر، والمصير إلى النار سقوط فيها. وقرر ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير هذه الآية أن الاستفهام في {وَمَا} إنكاري بمعنى النفي؛ أي لا يغني عنه ماله شيئاً في تلك الحال.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية عقب ذكر جزاء الفريق الثاني مباشرة؛ فهي إتمام لتصوير خسارته: خُذل في الدنيا فيُسّر للعسرى، ثم لم ينفعه ما اغتر به عند السقوط. ولم تُذكر نظيرتها في الفريق الأول؛ لأن المقام مقام إبطال دعوى الاستغناء لا مقام تعداد أوصاف المؤمن. ومن دقة النظم أن اللفظ {يُغْنِي} من مادة {اسْتَغْنَىٰ} المذكورة في وصفه؛ فقيل له: استغنيت بمالك، فماذا أغنى عنك مالك؟ فرُدّ عليه بلفظ من جنس ما ادّعاه؛ وهذا من أبلغ أساليب الرد.