فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّىٰ
فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّىٰ
لما تمت الحجة بالبيان وثبت السلطان، جاء الإنذار. والمعنى: فحذرتكم وخوّفتكم ناراً تتوقد وتتلهب وتشتعل اشتعالاً شديداً. و«التلظي» في اللسان: التوقد والاشتعال؛ من «اللظى» وهو اللهب الخالص الذي لا دخان فيه؛ ومنه سُميت النار {لَظَىٰ} في قوله تعالى: {كَلَّا إِنَّهَا لَظَىٰ * نَزَّاعَةً لِّلشَّوَىٰ}. وأصل {تَلَظَّىٰ} «تتلظى» فحُذفت إحدى التاءين تخفيفاً. وقرر ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير هذه الآية أن الإنذار جاء بصيغة الماضي {أَنذَرْتُكُمْ} لتحقق وقوعه وتقرر حصوله؛ فليس وعداً بإنذار مستقبل بل إخبار عن إنذار واقع.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية مفتتح المقطع الرابع؛ وقد جاءت مفرّعة بالفاء على الأصلين قبلها؛ فترتب الإنذار على تمام الحجة؛ وهذا عين العدل: لا عقوبة قبل بيان، ولا إنذار قبل إقامة السلطان. ثم إن الإنذار جاء بالخطاب المباشر {أَنذَرْتُكُمْ} بعد أن كان الكلام في الفريقين بضمير الغائب؛ ففي هذا الالتفات مواجهة تجعل السامع طرفاً في القضية. ثم يعود السياق بعده إلى الغيبة في وصف الفريقين: {لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى}؛ فكانت المواجهة في موضع الإنذار وحده وهو أشد ما يحتاج إليها.