وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ
وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ
هذا تنقية لباعث البذل من أول شائبة؛ والمعنى: وليس لأحد من الناس عنده يد سابقة ولا نعمة أُسديت إليه حتى يكون بذله مكافأة عليها؛ فبذله ابتداء لا جزاء. وذهب أئمة التفسير إلى أن هذا الوصف انطبق أتم انطباق على أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين أعتق من أعتق من المستضعفين؛ فلم تكن لأحد منهم عنده يد يكافئها، ولم يكن يرجو منهم عوضاً. وقرر السعدي في تيسير الكريم الرحمن عند تفسير هذه الآية أن نفي المكافأة يرفع عن العمل شائبة المعاوضة؛ فيبقى خالصاً لله.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية في الموضع الدقيق من تدرج وصف الإخلاص؛ فبعد أن ذُكر الفعل {يُؤْتِي مَالَهُ} والنية {يَتَزَكَّىٰ}، جاء نفي الباعث الخفي الذي قد يفسد النية وهو ردّ الجميل. ثم تليها الآية الأخيرة في الوصف فتحصر الباعث في وجه واحد. فالنظم يسير على ثلاث مراحل: إثبات العمل، ثم نفي ما يشوبه، ثم حصر ما يصححه؛ وهو أدق منهج في تحرير الإخلاص. ومن لطائف الاتصال أن هذه الآية ترد ضمناً على الفريق الأول من المقطع الثاني الذي {بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ}؛ فبينما كان ذاك يمسك مع الغنى، هذا يبذل مع انتفاء كل عوض.