وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ
وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ
هذا هو المقسم به الثاني؛ والمعنى: والنهار إذا انكشف وظهر وبان ضياؤه فأزال ظلمة الليل. وفسر السلف {تَجَلَّىٰ} بالظهور والانكشاف والبيان؛ يقال: تجلى الشيء إذا انكشف بعد خفاء. وذهب جمهور المفسرين إلى أن المراد ظهور النهار بضيائه على الأرض حتى تتبين معالمها. وذهب بعضهم إلى أن الفعل مسند إلى النهار على معنى أنه يجلي ما فيه من الأشياء فتظهر. وقرر السعدي في تيسير الكريم الرحمن عند تفسير هذه الآيات أن الجمع بين القسم بالليل والنهار يفيد الاستدلال بأظهر متقابلين على تقابل أعمال العباد؛ فكما لا يجتمع الليل والنهار لا يجتمع سعي أهل الإيمان وسعي أهل الجحود.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء القسم بالنهار بعد الليل ليتم التقابل ولا يبقى نصف الدورة؛ إذ الحجة إنما تتم بذكر الطرفين. ومن دقة النظم أن الليل قُيّد بفعل مضارع {يَغْشَىٰ} والنهار قُيّد بفعل ماض {تَجَلَّىٰ}؛ وفي ذلك لطيفة: أن الغشيان تدريجي ممتد يناسبه المضارع الدال على التجدد، وأن التجلي حدث يقع فيتحقق فيناسبه الماضي الدال على الثبوت. ثم إن هذين المقسم بهما يمهدان لما بعدهما من القسم بخلق الذكر والأنثى؛ فينتقل النظر من ثنائية الزمان إلى ثنائية النوع؛ ثم يُقرر جواب القسم وهو ثنائية العمل.