وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى
وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى
هذا مقابل ما تقدم؛ والمعنى: وسيُبعَّد عن تلك النار ويُنحّى عنها الأتقى؛ فلا يدنو منها ولا يمسه حرها. وذهب جمهور المفسرين إلى أن هذه الآيات نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه؛ فقد كان يشتري المستضعفين من المسلمين ممن كان يُعذَّب في مكة فيعتقهم لله، ومنهم بلال بن رباح رضي الله عنه؛ ولم يكن لأحد منهم عنده يد يكافئها ولا نعمة يجزيها؛ وإنما فعل ذلك ابتغاء وجه ربه. والقاعدة المقررة عند أهل العلم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؛ فالوصف يتناول كل من اتصف به؛ وأبو بكر رضي الله عنه أول داخل فيه وأحقهم به. وقرر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآيات أن الآية عامة في كل من قامت به هذه الصفات وإن كان الصديق رضي الله عنه أسبق الأمة إليها.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية على وزان التي قبلها في المقابلة: {لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى} في مقابل {وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى}. غير أن النظم لم يجعل المقابلة حرفية تامة؛ إذ جاء الأول بأسلوب القصر والثاني بأسلوب الإخبار المؤكد بالسين؛ وفي هذا الاختلاف لطيفة: أن مقام الوعيد يقتضي الحصر لقطع الطمع، ومقام الوعد يقتضي البسط لفتح باب الرجاء. ثم إن ذكر الأتقى هنا يعيد إلى الذهن قوله في المقطع الثاني: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ}؛ فربطت السورة أطرافها برباط لفظي محكم.