وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ
وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ
هذه الخصلة الثالثة في الفريق الأول؛ والمعنى: وصدّق بالحسنى؛ وللسلف فيها أقوال متقاربة: قال جمهورهم: الحسنى هي الجنة وما وعد الله به عباده من الجزاء؛ فيكون المعنى: صدّق بالثواب الموعود فبذل ثقةً به. وقال آخرون: الحسنى هي لا إله إلا الله وكلمة التوحيد. وقال بعضهم: الحسنى هي الخَلَف الذي وعد الله به المنفق في قوله: {وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ}. والأقوال متلازمة؛ إذ من صدّق بالتوحيد صدّق بالجزاء، ومن صدّق بالجزاء هان عليه البذل. وقرر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن التصديق بالحسنى هو الباعث الحقيقي على الإعطاء والتقوى؛ فمن أيقن بالعوض سهل عليه البذل.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الخصلة خاتمة لأوصاف الفريق الأول؛ وهي في الحقيقة أصلها وباعثها وإن تأخرت في الذكر. وهذا من أساليب القرآن: أن يذكر الأثر ثم يعقّبه بالسبب؛ فيبدأ بما يراه الناس ثم يكشف عما لا يرونه. ثم إن هذه الآية تمهد للجواب في الآية التالية {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ}؛ فإن التصديق بالحسنى هو الذي يفتح باب التيسير؛ إذ من صدّق بالعاقبة استقام على الطريق إليها. وقد جاء مقابلها في الفريق الثاني على النسق نفسه: {وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَىٰ}؛ فتناظر البناءان تناظراً تاماً في اللفظ والترتيب.