وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ
وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ
وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»): هذا المقسم به الثالث؛ والمعنى عند جمهور المفسرين: وأقسم بالذي خلق الذكر والأنثى؛ فتكون {مَا} موصولة بمعنى «الذي» وهي واقعة على الله سبحانه. وذهب آخرون إلى أنها مصدرية؛ أي: وخلقِه الذكرَ والأنثى؛ فيكون القسم بالخلق نفسه لا بالخالق. والقولان معتبران عند أهل التفسير، والمعنى على كليهما صحيح؛ إذ القسم بالفعل تنبيه على عظمة فاعله. والمراد بالذكر والأنثى جنسهما من الناس وسائر الحيوان؛ وقيل: آدم وحواء. وقد رُوي في الصحيحين من حديث علقمة في قدومه الشام ولقائه أبا الدرداء رضي الله عنه ذكر وجه آخر في قراءة هذه الآية مأثور عن ابن مسعود رضي الله عنه؛ أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما. وهي رواية آحادية لا تُقرأ بها ولا تثبت بها قرآنية؛ والمعتمد المتواتر المرسوم في المصحف الإمام.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): ارتقى القسم من ثنائية الزمان إلى ثنائية النوع؛ ومن التقابل في الآفاق إلى التقابل في الأنفس. وهذا التدرج مقصود؛ لأن المقسَم عليه هو تباين السعي، وهو أمر يقع في النفس؛ فناسب أن يُختم المقسم به بأقرب التقابلات إلى الإنسان وهو تقابل الذكورة والأنوثة. ثم إن في هذا المقسم به حجة إضافية: أن الذكر والأنثى مع اختلافهما في الخلقة والوظيفة قد صدرا عن خالق واحد وهما متكاملان لا متصادمان؛ فكذلك اختلاف المساعي واقع في ملك واحد وتحت تدبير واحد؛ فليس الاختلاف خروجاً عن النظام بل هو من النظام.