إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ
إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ
وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»): هذا جواب القسم وعمود السورة؛ والمعنى: إن أعمالكم أيها الناس لمختلفة متفرقة لا تجتمع على وجه واحد؛ فمنها ما هو للجنة ومنها ما هو للنار، ومنها الحسن ومنها القبيح. وذهب المفسرون إلى أن {شَتَّىٰ} جمع «شتيت» بمعنى المتفرق المتباين؛ فالمعنى أن مساعي الناس متفرقة في وجهتها وغايتها. وقد بيّنت السنة الصحيحة هذا المعنى؛ فقد ثبت في الصحيحين عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد فأتانا رسول الله ﷺ فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة، فنكّس فجعل ينكت بمخصرته، ثم قال: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ، مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ، إِلَّا كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ»، فقالوا: يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ فقال: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ»، ثم قرأ: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ}؛ أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية مفصل السورة؛ فهي جواب القسم المتقدم ومقدمة التفصيل اللاحق. وموقعها من النظم موقع الدعوى بين البرهان والتفصيل: فقد سبقها ثلاثة أقسام هي شواهدها من الكون، ويتلوها بيان الفريقين بخصالهما وهو تفصيلها في العمل. فالنظم قائم على ثلاث مراحل: شاهد كوني، فدعوى، فتفصيل. ومن دقة الاتصال أن المقسم به كله ثنائيات متقابلة، والمقسم عليه تباين المساعي؛ فالشاهد من جنس المشهود له لا أجنبي عنه؛ وهذا هو الفرق بين القسم الذي هو حجة والقسم الذي هو تعظيم مجرد.