إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَىٰ
إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَىٰ
هذا حصر الباعث في وجه واحد؛ والمعنى: ما يبذل ما يبذل إلا طلباً لوجه ربه الأعلى ورجاء رضاه؛ لا لمكافأة ولا لسمعة ولا لعوض. و«ابتغاء الوجه» عبارة جامعة عن قصد الله وحده بالعمل. ومذهب أهل السنة في «الوجه» المضاف إلى الله إثباته صفة له سبحانه على الوجه اللائق بجلاله من غير تكييف ولا تمثيل ولا تحريف ولا تعطيل؛ كما قال تعالى: {وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ}. وقرر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن هذا هو الإخلاص بعينه؛ وأن ذكر وصف العلو بعده يفيد أن المقصود أعلى مقصود يُطلب.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): بلغ وصف الأتقى ذروته في هذه الآية؛ فبعد نفي كل باعث في الآية السابقة جاء حصر الباعث في واحد. وهذا التدرج ــ فعل، فنية، فنفي، فحصر ــ هو أدق ما وُصف به الإخلاص في القرآن. ثم إن ذكر وصف {الْأَعْلَىٰ} في هذا الموضع بعينه مناسب غاية المناسبة؛ فإن السورة ذكرت من {اسْتَغْنَىٰ} وتعالى بماله؛ فجاء وصف الرب بالعلو المطلق ليقرر أن العلو الحقيقي له وحده، وأن من طلب وجهه فقد طلب أعلى مطلوب. ثم تختم السورة بالآية التالية {وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ}؛ فمن طلب الأعلى نال أعلى الجزاء.