فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ
فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ
هذا جزاء الفريق الثاني؛ والمعنى: فسنهيئه ونخلي بينه وبين العسرى؛ أي الخصلة العسرى وهي طريق الشر والمعصية المفضية إلى النار. وذهب جمهور المفسرين إلى أن المراد أن الله يخذله فييسر عليه سلوك طريق الشر حتى يصير سهلاً عليه لا يجد فيه مشقة؛ وهو أشد ما يُبتلى به العبد. وقيل: المراد تيسيره للعذاب في الآخرة. والمعنيان متلازمان؛ إذ التيسير لعمل أهل النار تيسير للنار. وقد تقدم في حديث علي رضي الله عنه المخرج في الصحيحين قوله ﷺ: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ»، ثم قرأ الآيات؛ فشمل الفريقين معاً. وقرر القرطبي في الجامع لأحكام القرآن عند تفسير هذه الآية أن استعمال لفظ التيسير في الشر من باب المشاكلة والتهكم؛ إذ لا يُسر في العسرى وإنما هي عسرى في مآلها وإن سهُل مدخلها.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء هذا الجزاء على وزان الجزاء الأول حرفاً بحرف إلا في اللفظ الأخير: {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ} و{فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ}؛ فالبناء واحد والغاية مختلفة. وهذا التناظر المطلق يقرر أن سنة الله واحدة في الفريقين: يُعان كل عامل على ما اختار؛ فليس في معاملة الله محاباة ولا ظلم؛ وإنما الاختلاف في المدخل الذي دخل منه كل واحد. ثم إن هذه الآية تمهد للتي بعدها {وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ}؛ فبعد بيان مصيره كُشف عن بطلان ما استغنى به.