فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ
فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ
شرع الله سبحانه في تفصيل السعيين؛ فبدأ بالفريق الأول. والمعنى: فأما من بذل ما أمر الله ببذله من الزكاة والنفقة والصدقة وحقوق المال، واتقى الله فاجتنب ما نهى عنه. وذهب جمهور المفسرين إلى أن {أَعْطَىٰ} حُذف مفعوله ليعم؛ فيشمل إعطاء المال وإعطاء الحق وإعطاء ما أوجب الله. وقال بعض السلف: أعطى حق الله فيما آتاه، واتقى محارم الله. وقيل: {وَاتَّقَىٰ} أي اتقى البخل. وقرر السعدي في تيسير الكريم الرحمن عند تفسير هذه الآية أن الجمع بين الإعطاء والتقوى جمع بين فعل المأمور وترك المحظور؛ وبهما يتم الدين. وقد تقدم في حديث علي رضي الله عنه المخرج في الصحيحين أن النبي ﷺ قرأ هذه الآيات عند ذكره أن كلاً ميسر لما خُلق له.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): بدأ التفصيل بالفريق الرابح لا بالخاسر؛ وهذا يقابل ما وقع في المقسم به حيث بدأ بالليل قبل النهار؛ فوقعت مقابلة لطيفة: قُدّمت الظلمة في الشواهد وقُدّم أهل النور في الجزاء. وفي البدء بالمعطي حكمة أخرى: أن السورة نزلت في مقام كان فيه البذل في سبيل الله محل التندر عند المستغنين بأموالهم؛ فقُدّم أهله تشريفاً لهم وتثبيتاً. ثم إن ترتيب الخصال الثلاث في هذا الفريق ــ إعطاء، فتقوى، فتصديق ــ ترتيب صاعد من عمل اليد إلى عمل القلب إلى عقد الاعتقاد؛ وهو ترتيب يبين أن الظاهر الصالح إنما يقوم على باطن صالح.