الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ
الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ
هذا بيان لوصف الأتقى؛ والمعنى: الذي يبذل ماله في وجوه البر يطلب بذلك تطهير نفسه من الشح ونماء عمله عند ربه. وذهب المفسرون في {يَتَزَكَّىٰ} إلى وجهين متلازمين: أن يكون المراد طلب الزكاة أي الطهارة والنماء لنفسه؛ وأن يكون المراد أداء الزكاة الواجبة وما جرى مجراها. والأول أعم وأشمل، ويشهد له قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا}. وقرر ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير هذه الآية أن الجملة {يَتَزَكَّىٰ} في موضع الحال؛ فهي بيان للباعث لا مجرد وصف للفعل؛ إذ العبرة في البذل بالقصد لا بمقدار المبذول.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء هذا الوصف مقابلاً لوصف الأشقى بـ{كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ}؛ فقوبل الجحود والإعراض بالبذل والطلب. وفي هذه المقابلة لطيفة: أن الأشقى وُصف بفعلين سلبيين هما تكذيب وإدبار، والأتقى وُصف بفعل إيجابي مقرون بنية؛ فبان أن سبيل الشقاء سبيل ترك وانصراف، وأن سبيل التقوى سبيل عمل وإقبال. ثم إن هذه الآية تفتح المقطع الأخير الذي يتدرج في وصف الإخلاص: فعل، ثم نية، ثم نفي البواعث، ثم حصر الباعث؛ وهو أدق تصوير للإخلاص في القرآن.