كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب ۩
كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب ۩
خُتمت السورة بالردع الثالث وبأمرين جامعين؛ والمعنى عند أئمة التفسير: ارتدع أيها الناهي؛ ولا تطعه يا محمد فيما نهاك عنه من الصلاة، ولا تلتفت إلى تهديده، بل امض على ما أنت عليه، واسجد لربك وتقرب إليه بالسجود؛ فإن السجود أقرب ما يكون العبد فيه من ربه. وفي خاتمة السورة سجدة تلاوة؛ روى مسلم في صحيحه في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي ﷺ سجد في {إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ} و{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ}. وأصل تفضيل السجود ما رواه مسلم في صحيحه في كتاب الصلاة، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ». وقرر السعدي في تيسير الكريم الرحمن عند تفسير هذه الآية أن الله أمر نبيه ﷺ بمخالفة الناهي والازدياد مما نُهي عنه؛ فكان في ذلك أبلغ الرد وأتم الانتصار.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية خاتمة تعقد على السورة كلها وتردّ آخرها على أولها. فقد ابتدأت السورة بأمر: {اقْرَأْ}، وختمت بأمر: {وَاسْجُدْ}؛ وبين الأمرين رحلة الإنسان من العلم إلى العبودية؛ فالعلم إن لم ينتهِ إلى سجود لم يبلغ غايته. وجاء ترتيب الأوامر في الآية على أدق ما يكون: نهي عن طاعة الطاغي أولاً، ثم أمر بالسجود ثانياً، ثم أمر بالاقتراب ثالثاً؛ فبُدئ بالتخلية ثم التحلية ثم الغاية. ثم إن هذه الخاتمة هي الجواب العملي لكل ما تقدم في السورة: فالطغيان علاجه السجود، ووهم الاستغناء علاجه الاقتراب، والنهي عن الصلاة جوابه المزيد منها. وفي مقابلة {لَا تُطِعْهُ} بـ{وَاسْجُدْ} إشارة إلى أن ترك طاعة المخلوق لا يتم إلا بلزوم طاعة الخالق.