خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ
خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ
لما ذكر الخلق مطلقاً في الآية قبلها خصّ الإنسان بالذكر تشريفاً له وتذكيراً بأصله معاً. والمعنى عند أئمة التفسير: خلق هذا الجنس من الناس من علقة، وهي القطعة من الدم الجامد المتعلق بجدار الرحم بعد أن كانت نطفة. وذهب المفسرون إلى أن {الْإِنسَانَ} هنا اسم جنس يراد به بنو آدم عامة، وأن خلقهم من علق باعتبار الغالب في نشأة أفرادهم، وإن كان أصل الجنس آدم عليه السلام خُلق من تراب؛ فالإخبار جارٍ على المشاهد المطرد في الذرية. وأشار ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية إلى أن في تخصيص الإنسان بالذكر بعد إطلاق الخلق تنبيهاً على أنه أشرف ما خُلق، وأن الامتنان عليه بالتعليم إنما يستقيم بعد تذكيره بأنه بدأ من أضعف مبدأ.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية موصولة بالتي قبلها بلا حرف عطف؛ لأنها منها بمنزلة التفصيل من الإجمال، والبيان من المبهم. وموقعها من بناء السورة موقع الأساس؛ إذ ستنتقل السورة بعد ثلاث آيات إلى قوله: {كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ}، فيتكرر لفظ {الْإِنسَانَ} في المقامين: مقام بيان أصله الوضيع، ومقام بيان طغيانه؛ فيقع التقابل بين المبدأ والمآل في نفس اللفظ؛ وهذه من ألطف وسائل النظم في إقامة الحجة: أن يُذكر الشيء بأخس أصوله ثم يُذكر بأعظم دعاويه فيتولد التوبيخ من مجرد المقابلة.