كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ
كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ
بعد أن قررت الآيات الخمس نعمتي الخلق والتعليم، جاء الردع بـ{كَلَّا} قاطعاً لما قد يقع في النفس من الغفلة عن هذه المنن. والمعنى الذي عليه أئمة التفسير: حقاً إن الإنسان ليتجاوز حده ويتعدى طوره ويبغي على ربه إذا غفل عن أصله ونعمة معلّمه. و{كَلَّا} هنا عند جماعة من المفسرين ردع وزجر عن الطغيان، وعند آخرين حرف تحقيق بمعنى «حقاً» أو «ألا»؛ إذ لم يتقدم في اللفظ ما يُردع عنه صراحة؛ والقولان يجتمعان: فهي ردع لما هو مقدر في المقام من دعوى الاستغناء، وتحقيق لما بعدها من الخبر. وذكر المفسرون أن هذه الآية وما بعدها نزلت في أبي جهل حين توعّد النبي ﷺ إن رآه يصلي عند الكعبة أن يطأ عنقه؛ وقد روى مسلم في صحيحه في كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، عن أبي هريرة رضي الله عنه، خبر ذلك التهديد ونكوصه على عقبيه لما همّ به، وفي آخره ذكر نزول هذه الآيات. وقرر ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير هذه الآية أن ورود الآية على سبب معيّن لا يُخرجها عن عمومها في جنس الإنسان؛ فاللفظ عام والسبب خاص.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): وقع الانتقال في هذه الآية من مقام الامتنان إلى مقام التوبيخ؛ وهو انتقال حاد يشبه الالتفات المفاجئ، مقصود لذاته. فقد قررت الآيات السابقة أن الإنسان مخلوق من علقة ومعلَّم بعد جهل؛ فكان مقتضى هذين الأمرين أن يكون أشد الخلق افتقاراً وأعرفهم بقدره؛ فجاءت هذه الآية تكشف أن الواقع بخلاف المقتضى؛ فالمقابلة بين المقطعين هي الحجة نفسها. ثم إن ذكر {الْإِنسَانَ} بلفظه الذي تقدم مرتين في المقطع الأول ــ في {خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ} و{عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} ــ يجعل الموصوف واحداً في المواضع الثلاثة؛ فهو هو: المخلوق من علقة، المعلَّم بعد جهل، الطاغي بعد ذلك كله؛ وفي وحدة اللفظ إحكام للحجة لا يُحتاج معه إلى تصريح.