أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَىٰ
أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَىٰ
هذا احتمال ثانٍ معطوف على الأول؛ والمعنى: أو كان هذا المنهيّ آمراً بالتقوى داعياً إليها؛ فكيف يُنهى ويُهدَّد؟ فالآيتان معاً استوعبتا حالي الخير: أن يكون العبد صالحاً في نفسه {عَلَى الْهُدَىٰ}، وأن يكون مصلحاً لغيره {أَمَرَ بِالتَّقْوَىٰ}. و«التقوى» عند أئمة التفسير: امتثال أمر الله واجتناب نهيه على نور منه ورجاء ثوابه؛ وأصلها الوقاية؛ فهي أن يجعل العبد بينه وبين ما يخافه وقاية. وذكر المفسرون أن الجمع بين الوصفين في هذا المقام مقصود؛ لأن النبي ﷺ كان جامعاً لهما: على الهدى في نفسه، آمراً بالتقوى لقومه؛ فكان النهي عنه نهياً عن أكمل ما يكون عليه إنسان. وقرر السعدي في تيسير الكريم الرحمن عند تفسير هذه الآية أن هذين الوصفين هما كمال العبد؛ فالكمال إما في النفس وإما في تعدية الخير إلى الغير.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية مكملة للاحتمال المذكور قبلها؛ فتم بهما استيعاب مراتب الخير كلها: الهدى وصف لازم في النفس، والأمر بالتقوى فعل متعدٍّ إلى الغير؛ فلم يبق للناهي منفذ يدّعي منه أن المنهيّ ناقص من جهة. ووجه ورودهما بهذا الترتيب أن صلاح النفس مقدم على إصلاح الغير؛ فمن لم يستقم لم يستقم غيره به. ثم إن هذين الوصفين هما بعينهما ما يقابله في الآية التالية من وصفي الناهي: {كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ}؛ فالتكذيب يقابل الهدى، والتولي يقابل الأمر بالتقوى؛ فانتظم المقطع في مقابلة رباعية محكمة بين الطرفين.