أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ
أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ
هذا هو الاستفهام الثالث؛ وقد انتقل فيه النظر من حال المنهيّ إلى حال الناهي. والمعنى عند جمهور المفسرين: أخبرني عن هذا الناهي، إن كان مكذّباً بالحق معرضاً عن الهدى، ألا يستحق أشد العقوبة؟ ألا يعلم أن الله مطلع عليه؟ فالضمير في {كَذَّبَ} و{تَوَلَّىٰ} راجع إلى الناهي المذكور في الآية التاسعة. و«التكذيب» رد الخبر وجحده، و«التولي» الإعراض بالبدن والقلب معاً. وذكر المفسرون أن جواب الشرط هنا هو ما دلّت عليه الآية بعده {أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَرَىٰ}؛ فإنها في قوة الجواب. وقرر ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير هذه الآية أن الجمع بين التكذيب والتولي جمع بين فساد الاعتقاد وفساد العمل؛ فاستوعب الوصفان جهتي الانحراف.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تم بهذه الآية عرض طرفي القضية؛ فقد استوفت الآيتان قبلها أوصاف المنهيّ في الخير، واستوفت هذه أوصاف الناهي في الشر؛ فاكتملت صورة الخصومة أمام السامع، ولم يبق إلا الحكم. وجاء ترتيب الوصفين على مقتضى الواقع: التكذيب أولاً وهو فعل القلب، ثم التولي وهو فعل الجوارح؛ إذ الإعراض ثمرة للجحود لا العكس. ثم إن حذف الجواب في هذه الآية كحذفه في الآية الحادية عشرة؛ فتماثلت الآيتان في البناء واختلفتا في المضمون؛ وهذا التوازي هو الذي يجعل المقابلة بين الطرفين ظاهرة بلا تصريح.