الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ
الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ
هذا بيان لبعض ما تحقق به وصف الأكرمية؛ والمعنى عند أئمة التفسير: الذي علّم الناس الكتابة بالقلم، وجعل القلم وسيلة لحفظ العلوم ونقلها وتقييدها؛ فمن كرمه أن لم يدع علم البشر مضطرباً في الصدور معرَّضاً للنسيان، بل هيّأ له آلة تحفظه وتنقله إلى من لم يشهده. وذهب بعض المفسرين إلى أن أول من كتب بالقلم إدريس عليه السلام، وذهب آخرون إلى أن المراد ما هو أعم؛ وهو تعليم جنس الكتابة لجنس الإنسان. وقرر القرطبي في الجامع لأحكام القرآن عند تفسير هذه الآية أن في الآية تنبيهاً على عظيم منفعة الكتابة، وأن الله امتنّ بها لأنها الرابطة بين الأمم والقرون. وأشار ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير هذه الآية إلى أن ذكر القلم في أول ما نزل من القرآن في أمة أمية إعلان مبكر بأن هذا الدين قائم على التدوين لا على الرواية المرسلة وحدها.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية تفصيلاً لصفة {الْأَكْرَمُ} المجملة قبلها؛ فبعد أن أُطلق الوصف بُيّن بأظهر آثاره. ووقعت هذه الآية والتي بعدها على ترتيب دقيق: الوسيلة أولاً {عَلَّمَ بِالْقَلَمِ}، ثم الثمرة {عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}؛ وهذا خلاف الترتيب المتوقع الذي يقدّم الغاية على الآلة؛ ولكنه هنا أنسب؛ لأن المقام مقام أمر بالقراءة، والقراءة أخت الكتابة؛ فقُدّم ما هو من جنس المأمور به. وبهذا تكتمل الآيات الخمس الأولى في نسق واحد: خلق ثم تعليم؛ وهما ركنا النعمة على الإنسان، وهما الحجتان اللتان سيُحاكَم إليهما إذا طغى.