أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ
أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ
هذه الآية بيان لعلة الطغيان المذكور قبلها؛ والمعنى عند أئمة التفسير: إنما يحمله على الطغيان أن رأى نفسه مستغنياً بما أوتي من مال أو جاه أو عشيرة أو قوة؛ فظن أنه غير محتاج إلى ربه فبغى. وحرر المفسرون أن العلة ليست الغنى في ذاته، وإنما هي رؤية النفس مستغنية؛ إذ الغنى قد يكون مع شكر وافتقار، ولكن الداء أن يرى العبد نفسه في غنية عن الله. وقرر السعدي في تيسير الكريم الرحمن عند تفسير هذه الآية أن الإنسان إذا رأى نفسه قد استغنى عن ربه بغى وتجبر، وأن هذا حال من نسي أن الغنى كله عارية مستردة. وأشار الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية إلى أن {أَن} هنا في موضع نصب لأنها في معنى المصدر، والتقدير: لأن رأى نفسه استغنى.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية موصولة بما قبلها بلا فاصل ولا حرف عطف؛ لأنها في موضع التعليل لما تقدم، والتعليل يُلصق بمعلوله. وموقعها من بناء السورة موقع المفصل الدقيق: فقد ذكر المقطع الأول أن الإنسان خُلق من علق وعُلّم بعد جهل؛ فهو مفتقر في وجوده مفتقر في علمه؛ ثم جاء هذا التعليل ليكشف أن الطغيان إنما نشأ من إنكار هذا الافتقار بعينه. فالآية تقيم التناقض ظاهراً: مخلوق من علقة يرى نفسه مستغنياً. ثم إنها مهدت للآية بعدها؛ إذ لما كان الداء وهم الاستغناء، كان دواؤه التذكير بالمرجع: {إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الرُّجْعَىٰ}؛ فوُضع الدواء عقب تشخيص الداء بلا فاصل.