نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ
نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ
هذا بيان لحال الناصية المذكورة في الآية قبلها وتعليل لاستحقاقها ذلك الأخذ. والمعنى عند أئمة التفسير: ناصية صاحبها كاذب في مقاله خاطئ في فعاله؛ فوُصفت الناصية بما هو في الحقيقة وصف لصاحبها. و«الكاذبة» من الكذب وهو الإخبار بخلاف الواقع، و«الخاطئة» من الخطيئة وهي تعمد الذنب؛ ففُرّق بين «أخطأ» بمعنى وقع في الشيء من غير قصد، و«خَطِئ» بمعنى تعمّد الذنب؛ والوارد هنا من الثاني. فجمعت الآية بين فساد القول وفساد العمل؛ إذ الكذب آفة اللسان والخطأ المتعمد آفة الجوارح. وقرر القرطبي في الجامع لأحكام القرآن عند تفسير هذه الآية أن وصف الناصية بالكذب والخطأ من باب إسناد الوصف إلى المحل وإرادة الحالّ فيه؛ وهو أسلوب معروف في كلام العرب.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية موصولة بالتي قبلها بلا عاطف؛ لأنها منها بمنزلة البيان من المبيَّن والتعليل من المعلَّل. ووجه التعليل ظاهر: لم تُؤخذ الناصية لمجرد كونها ناصية، بل لأنها ناصية موصوفة بهذين الوصفين؛ فالعقوبة معلّلة بالوصف لا واقعة بغير سبب. وموقع الوصفين من بناء السورة دقيق؛ إذ يقابلان ما وُصف به الطرف الآخر في الآيتين الحادية عشرة والثانية عشرة: {عَلَى الْهُدَىٰ} يقابله {كَاذِبَةٍ}، و{أَمَرَ بِالتَّقْوَىٰ} يقابله {خَاطِئَةٍ}؛ فاكتملت المقابلة بين الطرفين في السورة على أتم صورة: هدىً وتقوى في جانب، وكذب وخطيئة في جانب.