أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَىٰ
أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَىٰ
كرر الاستفهام التعجيبي مرة ثانية، وانتقل به من عرض الفعل إلى محاكمة أطرافه. والمعنى الذي عليه جمهور المفسرين: أخبرني عن هذا المنهيّ عن الصلاة، إن كان على الهدى والاستقامة، أيكون جزاؤه أن يُنهى ويُزجر ويُهدَّد؟ فالضمير في {كَانَ} راجع إلى العبد المصلي المذكور في الآية قبلها. وذهب بعض المفسرين إلى أن الضمير راجع إلى الناهي؛ أي: أخبرني عن هذا الناهي، إن كان على الهدى فيما يزعمه لنفسه أو آمراً بالتقوى، أيليق به مع ذلك أن ينهى عن الصلاة؟ والقول الأول أظهر وأجرى على السياق؛ لأن الآية الثالثة عشرة عادت إلى ذكر التكذيب والتولي وهما وصف الناهي؛ فتوزّعت الأوصاف على الطرفين: هذه الآية والتي بعدها في المنهيّ، والثالثة عشرة في الناهي. وجواب الشرط محذوف دلّ عليه السياق؛ والتقدير: أليس النهي عنه أقبح ما يكون من الفعل؟ وقرر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن حذف الجواب في هذا الموضع أبلغ من ذكره؛ لأنه يترك للنفس أن تقدّره على أشنع ما تتصور.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): سلك النظم في هذا الموضع مسلك القاضي الذي يعرض احتمالات القضية قبل النطق بالحكم؛ فبعد أن عُرضت الصورة في الآيتين قبلها ــ ناهٍ ومنهيّ يصلي ــ جاء الاستفهام الثاني ليفتح باب النظر في حال المنهيّ: أهو على الهدى أم على الضلال؟ فإن ثبت أنه على الهدى انقلب النهي عنه أشنع ما يكون. وفي هذا العرض إنصاف ظاهر في الخصومة؛ إذ لم يُقض على الناهي ابتداءً، بل عُرضت الأحوال ليحكم السامع بنفسه. ثم إن ترتيب هذه الآية قبل ذكر تكذيب الناهي في الآية الثالثة عشرة مقصود؛ إذ تُبنى شناعة فعله على ثبوت فضل من نهاه؛ فقُدّم إثبات هدى المنهيّ ليُبنى عليه استقباح فعل الناهي.