كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ
كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ
هذا هو الردع الثاني في السورة، وبه افتتح المقطع الأخير. والمعنى عند أئمة التفسير: ارتدع أيها الناهي عما أنت فيه؛ فوالله لئن لم ينته عن أذاه ونهيه وتكذيبه لنأخذنّ بناصيته أخذاً شديداً ولنجرّنّه بها إلى النار على وجه الإذلال والصَّغار. و«السفع» عند أهل اللغة والتفسير: القبض على الشيء وجذبه بشدة؛ وقيل: مع سواد يعلوه من أثر النار. و«الناصية»: مقدَّم شعر الرأس. وقد تقدم في سبب النزول ما رواه مسلم في صحيحه في كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، عن أبي هريرة رضي الله عنه، في قصة أبي جهل وتهديده النبي ﷺ عند الصلاة ونكوصه على عقبيه. وقرر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن الأخذ بالناصية عبارة عن غاية الإذلال والقهر؛ إذ هي موضع كرامة الوجه وموضع الأخذ عند الغلبة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): انتقل النظم في هذه الآية من الحجة إلى الوعيد؛ وهو انتقال لازم بعد أن استُوفيت المحاجّة في المقطع الثالث. وقد جاء الوعيد معلقاً على شرط {لَئِن لَّمْ يَنتَهِ}؛ ففيه فتح لباب التوبة قبل إنفاذ الوعيد؛ وهذه سنة القرآن في وعيده: أن يُقرن بمخرج. ثم إن مادة «النهي» التي وُصف بها في الآية التاسعة {الَّذِي يَنْهَىٰ} عادت هنا في صورة «الانتهاء»؛ فوقع بين الموضعين تقابل لفظي بديع: من كان ينهى غيره طُولب بأن ينتهي هو. وموقع {كَلَّا} في مفتتح الآية موقع الفاصل بين مقطعين؛ فقد جاءت في السورة ثلاث مرات: في الآية السادسة لافتتاح مقطع الطغيان، وهنا لافتتاح مقطع الوعيد، وفي الآية التاسعة عشرة لافتتاح الخاتمة.