فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ
فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ
هذا أمر يراد به التعجيز والتحدي؛ والمعنى عند أئمة التفسير: فليدع هذا الطاغي أهل ناديه وعشيرته وأنصاره الذين يعتز بهم لينصروه ويمنعوه إن استطاعوا. و«النادي» في اللسان: المجلس الذي يجتمع فيه القوم للحديث والمشورة؛ ولا يُسمى نادياً إلا ما دام أهله فيه؛ فإذا قاموا عنه لم يُسمَّ نادياً. وذكر المفسرون أن هذا وارد على ما كان يفاخر به من كثرة عشيرته ومكانته في قومه؛ وأن دار الندوة كانت مجتمع أشراف قريش ومحل تدبير أمرهم. وقد تقدم في سبب النزول ما رواه مسلم في صحيحه في كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، عن أبي هريرة رضي الله عنه، من قصة تهديد أبي جهل ونكوصه على عقبيه لما همّ بالنبي ﷺ. وأشار ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير هذه الآية إلى أن الأمر هنا مستعمل في التعجيز والتهكم لا في طلب الفعل حقيقة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء هذا الأمر التعجيزي عقب الوعيد بالسفع مباشرة؛ فكان ترتيبه على مقتضى الحال: توعّد بالأخذ، ثم تُحدّي أن يستنصر بما كان يفاخر به. ووجه اختيار «النادي» من بين ما يعتز به مقصود؛ لأن النادي هو مجتمع القوة والمشورة والوجاهة عند قريش؛ فالتحدي إنما وقع في أقوى ما عنده لا في أضعفه؛ وهذا أبلغ في التعجيز. ثم إن هذه الآية لا يتم معناها إلا بالتي بعدها؛ إذ لم يُقصد بها التحدي المجرد، بل تمهيد للمقابلة: {سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ}؛ فالآيتان معاً بنية واحدة قائمة على المقابلة بين دعوة ودعوة، ومدعوّ ومدعوّ.