سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ
سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ
هذا جواب التحدي ومقابلة الدعوة بالدعوة؛ والمعنى: سندعو نحن الزبانية، وهم ملائكة العذاب الغلاظ الشداد، فليدع هو من شاء ولننظر أي الفريقين أقوى. و«الزبانية» عند أئمة التفسير: خزنة جهنم؛ سُمّوا بذلك لشدة دفعهم وزبنهم أهل النار إليها. وقال أهل اللغة: واحدهم «زِبْنِيّ» أو «زِبْنِيَة»؛ مأخوذ من «الزَّبْن» وهو الدفع الشديد؛ ومنه «ناقة زَبون» إذا كانت تدفع حالبها برجلها. وقيل: هو جمع لا واحد له من لفظه. وقد جاء في تمام حديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي رواه مسلم في صحيحه في كتاب صفات المنافقين وأحكامهم قول النبي ﷺ في شأن أبي جهل: «لَوْ دَنَا مِنِّي لَاخْتَطَفَتْهُ الْمَلَائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا»؛ فكان في الواقعة نفسها مصداق لهذا الوعيد. وقرر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن الزبانية ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية شطر ثانٍ لا يستقيم معنى الأولى بدونه؛ فالبناء قائم على مقابلة تامة بين طرفين: أمر تعجيزي بالدعاء في مقابل خبر مؤكد بالدعاء، ونادٍ من البشر في مقابل زبانية من الملائكة، وفعل مسند إليه في مقابل فعل مسند إلى ضمير العظمة. وقد جيء بالفعل الثاني خبراً مؤكداً بحرف التنفيس لا أمراً؛ لأن المقام مقام تحقيق لا مقام تحدٍّ؛ فالطرف الأول مطالب بأن يجرب، والطرف الثاني مخبر بما سيقع حتماً. وبهذه المقابلة يُختم مقطع الوعيد ليخلص السياق إلى الخاتمة؛ إذ لما تبين عجزه لم يبق إلا أن يُؤمر النبي ﷺ بالإعراض عنه والإقبال على ربه.