اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ
اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ
كرر الله سبحانه الأمر بالقراءة مرة ثانية؛ والمعنى: اقرأ يا محمد فإن ربك الأكرم هو الذي يعلّمك القراءة ويُقدرك عليها، فلا تخف عجزاً ولا تستوحش من أميّتك. وذهب جماعة من المفسرين إلى أن التكرار للتأكيد والتقرير كما تكرر الغطّ ثلاثاً في حديث بدء الوحي، وذهب آخرون إلى أن الأول أمر بالتعلم لنفسه والثاني أمر بالإبلاغ والتعليم لغيره؛ والقولان يجتمعان في المآل. و{الْأَكْرَمُ} اسم تفضيل بلغ به الغاية؛ أي الذي لا كرم فوق كرمه ولا جود يبلغ جوده. وأشار الزمخشري في الكشاف عند تفسير هذه الآية إلى أن في وصف الرب بالأكرمية عقب الأمر بالقراءة بشارة مضمرة بأن من كرمه أن يعلّم من لا يعلم ويجعل الأمي قارئاً.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): اقتضى النظم أن يُعاد الأمر بالقراءة بعد ذكر الخلق ابتداءً؛ لأن الأمر الأول علّق القراءة بصفة الخلق وهي مبدأ الوجود، وهذا الأمر الثاني علّقها بصفة الأكرمية وهي مصدر العطاء المستمر؛ فتم للمأمور تعريفان بربه: أنه أوجده من عدم، وأنه لا ينقطع جوده عنه. ثم إن هذا الوصف تمهيد ضروري للآيتين بعده؛ إذ سيُذكر التعليم بالقلم وتعليم ما لم يُعلم، وهما أظهر مصاديق الكرم؛ فجاء الوصف مجملاً ثم فُصّل بأثره. ووراء ذلك كله معنى ثالث يُهيئ لمقطع الطغيان: أن الذي يستغني الإنسان عنه هو الأكرم الذي لا يزال يغمره بالعطاء؛ فيكون الاستغناء عنه أقبح ما يكون الجحود.