أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَرَىٰ
أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَرَىٰ
هذا هو الحكم الذي انتُظر منذ ثلاث وقفات؛ وجاء على صورة الاستفهام التقريري لا الخبر المجرد. والمعنى عند أئمة التفسير: ألم يعلم هذا الناهي المكذّب المتولي بأن الله مطلع عليه، يرى فعله وسمعه وسرّه، وسيجازيه عليه؟ فالاستفهام هنا للتوبيخ والتهديد؛ إذ لو علم ذلك حق العلم ما اجترأ على ما اجترأ عليه. وذهب المفسرون إلى أن هذه الآية جواب لما عُلّق في الآيات الثلاث قبلها؛ فهي بمنزلة النطق بالحكم بعد عرض البينات. وقرر الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أن المقصود تخويفه بعلم الله واطلاعه؛ وأن هذا وحده كافٍ في ردع من كان له قلب. وأشار ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية إلى أن في الآية وعيداً وتهديداً شديداً؛ إذ من علم أنه مرئي لم يجترئ على معصية سيده.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية هي عقدة المقطع الثالث ومنتهاه؛ فقد بُنيت الآيات الخمس قبلها بناءً تصاعدياً: عرض الفعل، ثم بيان المنهيّ عنه، ثم النظر في حال المنهيّ، ثم النظر في حال الناهي؛ فلما استوفى العرض جاء الحكم في كلمة واحدة: {يَرَىٰ}. ولم يُذكر في الحكم عقاب معين ولا وعيد مفصّل؛ لأن المقام مقام إلزام بالحجة؛ والحجة تتم بمجرد التذكير بالمراقبة. ثم إن هذه الآية مهاد للمقطع الرابع؛ إذ سيأتي بعدها {كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ}؛ فبعد أن أُقيمت الحجة بالعلم جاء الوعيد بالفعل؛ فتقدّمت الحجة على العقوبة كما هي سنة الله في خطابه.