عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ
عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ
هذه ثمرة التعليم وغايته؛ والمعنى: علّم هذا الجنس ما لم يكن يعلمه؛ فقد خرج من بطن أمه لا يعلم شيئاً، ثم أفاض الله عليه من العلم ما شاء؛ فما من علم عند أحد من الخلق إلا وهو موهوب له من الله. وذكر المفسرون أن الآية عامة في كل علم: علم الشرائع، وعلم الأسماء، وعلم الصنائع والحرف والكتابة والحساب وسائر ما ينتفع به الناس. ويشهد لعموم هذا المعنى قوله تعالى في موضع آخر: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}. وقرر السعدي في تيسير الكريم الرحمن عند تفسير هذه الآية أن الله أخرج الإنسان من بطن أمه لا علم له، ثم جعل له أدوات العلم ويسّر له أسبابه؛ فالعلم كله عطية محضة لا كسب مستقل.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): ختم بهذه الآية المقطع الأول؛ فكانت خاتمة جامعة لما قبلها: ذكر الخلق ثم خصّ الإنسان، ثم ذكر التعليم ثم خصّ الإنسان؛ فتوازى المقطعان توازياً تاماً: خلق مطلق ثم خلق الإنسان من علق، وتعليم بالقلم ثم تعليم الإنسان ما لم يعلم. وهذا التناظر البنائي يجعل الآيات الخمس وحدة محكمة تقول: الذي أنشأك من أوضع مادة هو الذي رفعك بأشرف صفة. ثم إن ختم المقطع بنفي العلم السابق عن الإنسان {مَا لَمْ يَعْلَمْ} هو المهاد المباشر للمقطع الثاني؛ إذ سيأتي بعده: {كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ}؛ فيقع الردع على من كان جاهلاً فعُلّم ثم استغنى بعلمه عن معلّمه؛ فصارت الآية الخامسة حجة على الآية السادسة.