أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَىٰ
أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَىٰ
انتقلت السورة من الحديث عن جنس الإنسان إلى عرض نموذج بعينه بلغ به الطغيان غايته؛ والمعنى: أخبرني يا محمد عن هذا الذي يمنع ويزجر؛ أرأيت أعجب من حاله؟ وهذا استفهام يراد به التعجيب والتهويل وحمل السامع على النظر في القضية بنفسه. وقد ذكر المفسرون أن المراد به أبو جهل بن هشام؛ وفي ذلك ما رواه مسلم في صحيحه في كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن أبا جهل قال: «هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وَجْهَهُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟» فقيل: نعم. فقال: «وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى لَئِنْ رَأَيْتُهُ يُصَلِّي كَذَلِكَ لَأَطَأَنَّ عَلَى رَقَبَتِهِ»؛ فأتى رسول الله ﷺ وهو يصلي ليطأ على رقبته، فما فجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه، فقيل له: ما لك؟ فقال: «إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ لَخَنْدَقًا مِنْ نَارٍ وَهَوْلًا وَأَجْنِحَةً»؛ فقال رسول الله ﷺ: «لَوْ دَنَا مِنِّي لَاخْتَطَفَتْهُ الْمَلَائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا»؛ وفي آخر الحديث ذكر نزول هذه الآيات. وقرر ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير هذه الآية أن ترك التسمية والاكتفاء بالموصول أبلغ في التشهير بالوصف وتعميم الحكم على كل من فعل فعله.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): انتقل النظم في هذه الآية من التقرير إلى الاستفهام، ومن العام إلى الخاص؛ وهذا تدرج محكم في إقامة الحجة: فقد قُرّرت القاعدة أولاً {إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ}، ثم عُرض المثال الأقصى لها؛ فصار الحكم مقرراً قبل عرض الواقعة؛ فلا يستطيع المعترض أن يدّعي أن الحكم فُصّل على مقاس شخص. ثم إن اختيار هذا المثال بعينه مقصود؛ إذ لم يُعرض من الطغيان صورة القتل ولا صورة السلب، بل صورة النهي عن الصلاة؛ لأن الصلاة أخصّ ما يظهر به افتقار العبد إلى ربه؛ فمن نهى عنها فقد بلغ في إنكار الافتقار غايته؛ فناسبت الصورةُ العلةَ المذكورة في {أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ} أدق مناسبة.