إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الرُّجْعَىٰ
إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الرُّجْعَىٰ
هذا هو الدواء الموضوع في موضع الداء؛ والمعنى: إن إلى ربك يا محمد ــ لا إلى أحد سواه ــ مرجع الخلق جميعاً ومصيرهم بعد الموت؛ فسيجزي كل عامل بعمله، ويأخذ للمظلوم من الظالم، ويحاسب الطاغي على طغيانه. وذهب المفسرون إلى أن الخطاب وإن وُجّه إلى النبي ﷺ فالمقصود به كل مكلف، وأن في توجيهه إليه تثبيتاً له وتهديداً لخصمه في آن واحد. و{الرُّجْعَىٰ} اسم مصدر بمعنى الرجوع؛ أي المرجع والمآل. وقرر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن في الآية تهديداً للطاغي المستغني بأن مصيره إلى من هو أقدر عليه، وأن العرض على الله كافٍ في ردع من عقل.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية عقب تشخيص الداء مباشرة؛ فكان النظم على ترتيب الطبيب: عرض العَرَض {لَيَطْغَىٰ}، ثم تشخيص العلة {أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ}، ثم وصف الدواء {إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الرُّجْعَىٰ}. ووجه كون هذه الآية دواءً لتلك العلة بعينها: أن دعوى الاستغناء إنما تقوم على تصور أن الأمر منقطع عند حدود الدنيا؛ فإذا استقر في النفس أن ثمّ رجوعاً إلى الله انهدم أساس الدعوى من جذره؛ إذ لا يستغني عمن هو صائر إليه عاقل. ثم إن الآية خاتمة للمقطع الثاني ومهاد للثالث؛ إذ ستنتقل السورة من الحديث عن جنس الإنسان إلى شخص بعينه بلغ به الطغيان أن ينهى عن الصلاة؛ فكان ذكر المرجع تمهيداً لتقرير الحساب على ذلك الفعل.