أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ
أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ
هذا الإنكار الثاني في هذا المقطع؛ والمعنى: أيظن أن الله لم يره حين أنفق ما أنفق، وحين فعل ما فعل، فيحاسبه عليه؟ وقد ذكر أهل التفسير في متعلق الرؤية وجهين: أحدهما أنه لم ير الله إنفاقه فيسأله: من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟ فيكون رداً على مفاخرته؛ والثاني أنه عام في كل أعماله وسرائره؛ أي: أيظن أن أحداً لا يطلع على ما يخفيه؟ والوجه الثاني أعمّ وأشمل والأول داخل فيه. وذكر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن المعنى: أيحسب في صنيعه ذلك أن الله عز وجل لا يراه ولا يحاسبه على ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه. وقد جاء في تقرير هذا المعنى في السنة ما رواه الترمذي في سننه من حديث أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه أن النبي ﷺ ذكر أن العبد لا تزول قدماه يوم القيامة حتى يُسأل عن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تمّ بهذه الآية بناء المقطع الثاني على وجه محكم؛ فقد بُدئ بإنكار ظنّه الأمن من القدرة، ثم ذُكر سبب هذا الظن وهو اعتداده بما أنفق، ثم خُتم بإنكار ظنّه الأمن من الاطلاع. وبين الإنكارين تكامل تام؛ إذ إن الذي يجرّئ على المعصية شيئان لا ثالث لهما: الأمن من العقوبة، والأمن من الاطلاع؛ فمن نُزع منه الظنان لم يبق له باعث على الإقدام. ثم إن ختم المقطع بالرؤية مهّد للمقطع الثالث في تعداد النعم؛ إذ سيُذكر أول ما يُذكر منها العينان؛ فالانتقال من رؤية الله للعبد إلى رؤية العبد بما وهبه الله نظم بديع.