ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ
ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ
هذا هو الشرط الجامع الذي به تُقبل الأعمال المتقدمة؛ والمعنى: ثم كان مع ذلك من أهل الإيمان الذين يوصي بعضهم بعضاً بالصبر على طاعة الله وعن معصيته وعلى أقداره، ويوصي بعضهم بعضاً برحمة الخلق. وقد قرر أهل التفسير أن هذه الآية بيّنت أن ما تقدم من فكّ الرقاب والإطعام لا ينفع صاحبه إلا إذا اقترن بالإيمان؛ فإن أعمال البر من غير المؤمن لا يُثاب عليها في الآخرة. وأشار السعدي في تيسير الكريم الرحمن عند تفسير هذه الآية إلى أن هذه الأعمال إنما تنفع إذا صدرت عن إيمان وأريد بها وجه الله. وقد جاء في تقرير الأصل الذي عليه مدار التواصي بالمرحمة ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ لَا يَرْحَمِ النَّاسَ لَا يَرْحَمْهُ اللَّهُ». وفي إتيان {ثُمَّ} هنا وجهان عند المفسرين: أنها للترتيب الرتبي لبيان أن الإيمان أعلى رتبة من تلك الأعمال، أو للترتيب الذكري لا الزمني.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية بعد تفصيل أعمال العقبة لتضع لها الشرط الضابط؛ فبناء المقطع: عمل، ثم شرط قبوله. ولو قُدّم الشرط على العمل لتغيّر المقصود؛ فإن تأخيره جاء ليقع في النفس موقع التصحيح بعد أن استقرت صورة العمل. ثم إن هذه الآية جسر إلى القسمة الختامية؛ إذ سيأتي بعدها {أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ} إشارة إلى الموصوفين بهذه الأوصاف مجتمعة: البذل والإيمان والتواصي؛ فالحكم بالميمنة معلّق على الجميع لا على بعضه. ثم إن ذكر التواصي بعد الإيمان يقرر أن الدين لا يقوم بالفرد وحده بل بجماعة متناصحة.