لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ
هذا جواب القسم وبؤرة السورة؛ والمعنى: لقد خلقنا هذا الجنس في تعب ومشقة ونصب لا ينفكّ عنه. وقد فسر السلف «الكبد» بالشدة والمشقة؛ فقال بعضهم: في شدة من مكابدة الدنيا وأمر الآخرة؛ وقال بعضهم: منتصباً معتدل القامة، من قولهم «كبد الشيء» إذا استقام؛ والقول الأول هو قول جمهور أهل التأويل، وعليه دلّ لسان العرب. وذكر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن المراد المكابدة والمشقة، وأن الإنسان لا يزال في نصب من أول أمره إلى آخره. وأصل «الكبد» في اللسان من «الكَبِد» وهي العضو المعروف؛ ويُقال «كُبِد الرجل» إذا أصابه وجع في كبده؛ ثم استُعمل في كل مشقة تبلغ من الإنسان مبلغ الألم الباطن؛ فسُميت المكابدة بذلك لأنها تصيب الباطن لا الظاهر وحده.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء الجواب بعد ثلاثة أقسام متتابعة؛ وهو تناسب تام مع المقسَم به؛ إذ أُقسم بالبلد الذي يُكابَد فيه الأذى، وبالنبي ﷺ المستحَلّة حرمته فيه، وبالوالد والولد اللذين تدور بينهما المكابدة جيلاً بعد جيل؛ فكان الجواب تعميماً لما شهدت به المقسمات. ثم إن هذا الجواب أصل تُبنى عليه بقية السورة كلها؛ فإذا تقرر أن الكبد لازم فلا مفرّ منه، فالسؤال الباقي: أين يُصرف هذا الكبد؟ فجاء المقطع بعده يكشف من صرفه في المفاخرة بالمال، ثم جاء المقطع الأخير يبيّن أين يجب أن يُصرف: في اقتحام العقبة.