فَكُّ رَقَبَةٍ
فَكُّ رَقَبَةٍ
وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»): هذا أول ما فُسّرت به العقبة؛ والمعنى: هي فك رقبة من الرق بالعتق أو الإعانة عليه. وقد قرأ جمهور القراء {فَكُّ رَقَبَةٍ} بالرفع والإضافة على أنه خبر لمبتدأ محذوف؛ وقرأ آخرون {فَكَّ رَقَبَةً} على صيغة الفعل الماضي؛ والقراءتان متواترتان، وعلى القراءة الثانية يكون الكلام تفسيراً للاقتحام بأفعال ماضية. و«الفكّ» في اللسان: التخليص والفصل بين شيئين متلازمين؛ ومنه «فك الأسير» و«فكّ العظم» إذا أزاله عن موضعه. وقد بيّن النبي ﷺ الفرق بين العتق وفك الرقبة فيما أخرجه الإمام أحمد في مسنده والبخاري في الأدب المفرد وأبو داود في سننه بألفاظ متقاربة: «عِتْقُ النَّسَمَةِ أَنْ تَنْفَرِدَ بِعِتْقِهَا، وَفَكُّ الرَّقَبَةِ أَنْ تُعِينَ فِي عِتْقِهَا»؛ فدلّ على أن الفكّ أوسع من العتق؛ إذ يشمل المشاركة والإعانة والفداء؛ فيدخل فيه من أعان مكاتباً على كتابته، ومن افتدى أسيراً.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): بُدئ في تفصيل العقبة بفكّ الرقبة قبل الإطعام؛ وهذا ترتيب دقيق في تقدير المصالح؛ فإن فكّ الرقبة ردّ للحرية وهي أصل الكرامة الإنسانية، والإطعام سدّ للحاجة العارضة؛ فقُدّم ما يعيد إلى الإنسان أصل كيانه على ما يسدّ جوعه ليوم. ثم إن هذا الترتيب يناسب معنى «العقبة»؛ فإن عتق الرقبة أثقل على النفس من إطعام مسكين؛ إذ فيه إخراج مال عظيم دفعة واحدة؛ فبُدئ بأثقل ما في العقبة. ثم عُطف عليه الإطعام بـ«أو» ليتسع الباب لمن لا يقدر على الأول.