أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ
أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ
انتقل السياق من تقرير الكبد إلى كشف غرور من غفل عنه؛ والمعنى: أيظن هذا الإنسان أن لن يقدر عليه أحد فيأخذه ويعاقبه؟ وقد فسر أهل التأويل «القدرة» هنا بوجهين: أحدهما الغلبة والتسلط؛ أي: أيحسب أن لا أحد يغلبه ويقتصّ منه؟ والثاني التضييق؛ من قوله تعالى: {وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ}؛ أي: أيحسب أن أحداً لا يقدر أن يضيّق عليه ما وسّع؟ والأول أظهر وأشهر وعليه جمهور المفسرين؛ لأنه اللائق بسياق الاغترار والتقريع. وذكر البغوي في معالم التنزيل عند تفسير هذه الآية أن المعنى: أيظن أن لن يقدر عليه أحد فيأخذه بما فعل. وقد ذكر بعض أهل التفسير أن الآية نزلت في رجل من قريش كان يفتخر بماله وقوته؛ والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؛ فالوعيد متوجه إلى كل من قام به هذا الوصف.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء هذا الإنكار عقب تقرير الكبد مباشرة؛ لأن من غفل عن كونه مخلوقاً في مشقة وضعف، ظنّ نفسه في منعة وقوة؛ فكان تقرير الكبد أول ما يكسر هذا الظن. ثم إن هذه الآية أولى ركني المقطع؛ إذ سيأتي بعدها حكاية فخره بماله، ثم إنكار ثانٍ على ظنه أن أحداً لم يره؛ فالبناء: إنكار، فسبب الإنكار، فإنكار ثانٍ. وفي هذا التركيب إحاطة بالنفس المغترة من جهتيها: من جهة استشعارها القوة، ومن جهة استشعارها الخفاء.