وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ
وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ
هذا قسم ثالث بعد القسم بالبلد؛ والمعنى: وأقسم بوالد وما ولده. وقد ذكر أهل التأويل في المراد به وجوهاً: أشهرها أنه عام في كل والد وولده؛ فيدخل فيه الناس كلهم؛ وهو أظهرها لعموم التنكير وخلوّه من قرينة التخصيص. والثاني أن المراد آدم عليه السلام وذريته. والثالث أن المراد إبراهيم عليه السلام وولده إسماعيل؛ وهذا الوجه له مناسبة قوية بذكر البلد قبله؛ إذ هما اللذان رفعا قواعد البيت. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية هذه الوجوه عن أهل التأويل. والقول بالعموم لا ينافي دخول هؤلاء في المقسَم به دخولاً أولياً. ووجه القسم بالوالد وما ولد أن في تناسل هذا الجنس واستمراره على هذا النظام العجيب آية من أعظم آيات القدرة، وأن فيه معنى الكبد الذي هو موضوع السورة؛ إذ الوالد يكابد في الولد، والولد يكابد منذ نشأته.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تمّ بهذه الآية القسم على ثلاثة أركان: مكان مشرّف، وإنسان مكرّم مستحَلّ فيه، وجنس متناسل يكابد جيلاً بعد جيل. وفي هذا التدرج بناء محكم: من المكان إلى الشخص إلى النوع؛ فينتقل النظر من الخاص إلى العام حتى ينتهي إلى الجواب الذي يتناول الجنس كله: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ}. فالمقسَم به هنا هو عين المقسَم عليه؛ إذ أقسم بالوالد والولد على أن هذا الجنس مخلوق في تعب؛ فالقسم شاهد على مضمونه لا مجرد تعظيم.