أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ
أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ
انتقل السياق من الإنكار إلى التذكير بالنعم؛ والمعنى: ألم نجعل لهذا الإنسان عينين يبصر بهما؟ والاستفهام تقريري يقتضي الإقرار بمضمونه؛ إذ لا يستطيع المخاطب أن ينكر ما هو قائم في خلقته. وقد ذكر أهل التفسير أن هذا المقطع سيق للاحتجاج على المغتر المتقدم؛ فمن جعل الله له عينين يبصر بهما آيات الله في الآفاق، ولساناً وشفتين يعبّر بهما، وهداه إلى طريقي الخير والشر، فقد قامت عليه الحجة. وأشار ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير هذه الآية إلى أن تعداد هذه النعم جاء على وجه المنّة والاحتجاج معاً؛ فهي نعم في ذاتها، وهي أدلة على قدرة الواهب. وفي ذكر العينين خاصة مناسبة لما قبلها من قوله {أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ}؛ فمن أعطاه أداة الرؤية أحقّ أن يكون رائياً له.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء هذا التقرير بعد الإنكارين مباشرة؛ لأن من أنكرت عليه ظنّه احتاج أن تُقام عليه الحجة بما في يده. ثم إن ترتيب النعم الثلاث في هذا المقطع دقيق ومتصاعد: العينان أداة الإدراك، واللسان والشفتان أداة البيان، والنجدان الهداية إلى التمييز؛ فالتدرج من الاستقبال إلى الإرسال إلى الحكم. ثم إن هذا المقطع تمهيد ضروري لما بعده؛ إذ سيُنعى عليه أنه لم يقتحم العقبة؛ ولا يستقيم هذا النعي إلا بعد تقرير أنه أُعطي ما به يبصر الطريق ويميّزه؛ فالحجة تسبق المؤاخذة.