يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُّبَدًا
يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُّبَدًا
هذا بيان لما حمله على ذلك الحسبان؛ والمعنى: يقول هذا المغتر مفتخراً: أنفقت مالاً كثيراً متراكماً. وقد فسر أهل التأويل «أهلكت» بأنفقت وأفنيت؛ وسُمي الإنفاق إهلاكاً لأن المنفَق يذهب ولا يبقى؛ ومنه قولهم: «هلك المال» إذا فني. و«اللُّبَد» عند أهل اللغة: الكثير المتراكم بعضه على بعض؛ من «تلبّد الشيء» إذا اجتمع والتصق؛ ومنه «اللِّبْد» للصوف المتلبد، ومنه قوله تعالى: {كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا} أي متراكمين. وذكر الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أن المعنى: مالاً كثيراً بعضه على بعض. وقد ذكر جماعة من المفسرين أن هذا القائل كان يفتخر بما ينفقه في المكارم وعداوة النبي ﷺ، ويرى أنه بذلك في غنى عن الإيمان؛ فجاءت الآية لتكشف أن العمل بلا إيمان لا يُغني عن صاحبه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية بين الاستفهامين الإنكاريين؛ فقبلها {أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ}، وبعدها {أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ}؛ فوقعت هذه الجملة موقع البيان لسبب الحسبانين؛ إذ إن اعتداده بما أنفق هو الذي ولّد فيه الشعور بالمنعة والاستغناء. ثم إن ذكر المال هنا يتصل بختام سورة الفجر قبلها: {وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا}؛ فما ذُكر هناك حبّاً ذُكر هنا فخراً؛ والفخر ثمرة الحب. وهذه الآية تمهيد لمقطع العقبة؛ إذ ستبيّن السورة أن المال إنما يُنجي إذا صُرف في فك رقبة وإطعام مسكين، لا إذا صُرف في المفاخرة.