وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ
وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ
هذه النعمة الثانية في هذا التعداد؛ والمعنى: وجعلنا له لساناً وشفتين ينطق بهما ويبين عمّا في نفسه. وقد ذكر أهل التفسير أن اجتماع اللسان والشفتين هو تمام آلة النطق؛ فاللسان أداة تقطيع الحروف، والشفتان مخرج بعضها ومعينتان على ضبط الصوت وحفظ الفم؛ فلا يتم البيان إلا بهما جميعاً. وفي هذه النعمة وجه من الاحتجاج ظاهر؛ فإن اللسان الذي نطق بالفخر {أَهْلَكْتُ مَالًا لُّبَدًا} هو نعمة من الله عليه؛ فكيف يُستعمل في مقابلة المنعم؟ وأشار السعدي في تيسير الكريم الرحمن عند تفسير هذه الآيات إلى أن هذه النعم من أعظم ما ينبغي أن يُشكر عليه؛ إذ بها تحصل المنافع الدينية والدنيوية. وقد تظاهرت نصوص السنة على العناية بحفظ هذه الجارحة وبيان خطرها؛ إذ جُعل حفظ ما بين اللحيين من أسباب النجاة، وجُعل إطلاقه بلا ضابط من أكثر ما يكبّ الناس في النار على وجوههم.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية عقب ذكر العينين مباشرة؛ فتمّ بذلك ذكر أداة الاستقبال وأداة الإرسال؛ فبالعين يستقبل المعارف، وباللسان يبلّغها. وفي هذا الترتيب حكمة؛ إذ لا يستقيم البيان إلا بعد الإدراك؛ فمن لم يبصر لم يكن عنده ما يقوله. ثم إن ذكر آلة النطق هنا متصل بما تقدم من حكاية قوله {أَهْلَكْتُ مَالًا لُّبَدًا}؛ فكأن السياق يذكّره بأن اللسان الذي فاخر به هو من نعم من يفاخر عليه. ثم يأتي بعده ذكر الهداية إلى النجدين؛ فيتم البناء: إدراك، فبيان، فتمييز.